سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي

183

الإكسير في علم التفسير

فإن قلت الماضي أدل على هذا المقصود من اسم المفعول ، فلم عدل عنه إلى ما دلالته أضعف ؟ قلت : لتحصيل المناسبة بين مجموع ومشهود في استواء بنائهما ، طلبا للتعديل في العبارة ، ولولا هذا المعارض ؛ لكان الإتيان بلفظ « جمع الناس » فيه أولى في حكم هذه الصياغة ، واللّه أعلم بالصواب . الصنف الثالث في عكس الظاهر ، وهو إرادة خلاف ظاهر الكلام ، كقول عليّ رضي اللّه عنه في صفة مجلس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « لا تنثى فلتأته » إذ ظاهره أنه كانت له فلتات ، لكنها لا تنثى ، أي لا تذاع ، وليس المراد ذلك بل المراد : أنه لم يكن له فلتات فتذاع . وكذا قول الشاعر في وصف بريّة يصفها بالصعوبة : « 1 » ولا ترى الضبّ بها ينجحر ظاهره أن بها ضبا ، لكنه لا ينجحر ، أي : لا يدخل سربه ، والمراد : أن ليس بها ضب ينجحر ، ومثل هذا يعرف بالقرائن المحققة للكلام ، كقرينة وصف علي رضي اللّه عنه لمجلس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالنزاهة من العيوب ، ووصف الشاعر البرية بكونها مقطعة لا حيوان فيها ، فإنهما تنافيان إثبات الفلتات ، والضب ، فتعين الحمل على عكس الظاهر : وحقيقة هذا أنه تأويل لدليل ، وأنه من قبيل « السالبة البسيطة » التي أحد محتملها : انتفاء محمولها ؛ لانتفاء موضوعها ، نحو : « زيد ليس بكاتب » إذ سلبت الكتابة عنه يحتمل أنه لأميّته مع وجود ذاته ، ويحتمل أنه لعدمه أصلا ، إذ يصدق على المعدوم أنه ليس بكاتب ، ولا متصف بشيء ؛ لانتفاء ما تقوم به الصفات ، لا يقال هذا

--> ( 1 ) هذا عجز بيت قاله عمرو بن أحمر في وصف مفازة وصدره . لا يفزع الأرنب أهوالها * ولا ترى الضب بها ينجحر وفي اللسان جحر الضب : دخل جحره مادة جحر